
“ضيعت عليه العمر يا بويا و انا ليا معاه حكايات” صلاح ابو سالم – عبد الحليم حافظ 1963
صدحت تلك الكلمات عاليه من التلفاز الذي امامي ، و بالتاكيد فلست انا مشغله . فمن يعرفني يعلم جيدا ان تقريبا اخر مره لمست اناملي تلفازا كانت و انا في خضم المراهقه قبل حتى الولوج للمرحله الثانويه . و حتى اكون منصفا استخدمته للمرة الثانية في ٢٨ يناير من عام ٢٠١١ يوم جمعة الغضب . مع العلم بانني لست من المتشددين الذين يحرمونه ولكن فكرة استقبال البث و متابعة ما يفرض علي لا تستهويني . افضل المقروء و مؤخرا بعد تحسن جوده تسجيلات الصوت اصبحت احب المسموع بعض الشئ، و من حين الى حين تتبدل الاهتمامات ولكني لم اقربه . حتى عندما استكشفت قنوات الاعمال وجدت ما تبثه هو معلومات يمكن الحصول عليها مقروءه بصورة افضل.
عوده للجمله الاولى. فقد لمستني ، بل ولا ابالغ ان قلت انها قد اوجعتني ، لاني سرحت لبرهة فيما قد كنت ضيعت العمر فعليا عليه . كنت انشد العمل في مجال التحليل الاستثماري و المالي . ولكني لم اجد فيه الفرصه المناسبه ، و ضيعت العمر اعلم الاخرين تفاصيله و ادواته ، و كم فرحت بتخرج العديد من الدفعات التي عملت في تلك المجال و صاروا يشار لهم بالبنان ، فهل ضيعت عليه العمر فعلا؟
قد اكون ضيعت العمر و انا اعمل بمهنة التدريس ، منذ عام ٢٠٠٣ حتى اليوم ، وقفت في الفصول مساعدا ، ثم مدرسا ، ثم مشرفا لحين على مدرسين اخرين و لكني اثرت العوده للتدريس ، هل انا حقا احبه بل و ادمنه ، لقت تركت التدريس حتى الان سته مرات و كل مرة اكاد اقسم انها بلا رجعه و يمكنني ان اعد ايام العودة بعدها باسابيع قليله تعد على اصابع يد واحده ، فمره اوهم نفسي بالمكاسب ، و مره يستدعيني زميل لمساعدته ، كل مره تغريني تجربه اعاده الكره فانا اعلم طريق الخروج و لكنني للاسف صرت مدمنا ، و اكتشفت ادماني حينما وجدت نفسي احارب من قبل منافسين فتمسكت بالامر اكثر من ذي قبل ، هل هي عادة العناد التي فعلت ذلك ، لا اظنها فليس من طباعي التصارع على شئ يشتهيه اخر و تعف نفسي عن ذلك ، و لكنني فعليا ادمنت قاعات التدريس ، ادمنت رؤية تلك اللمعة في العيون عندما تصلها معرفة جديدة، من المقتنعات التي امنت بها ان المعلم او المدرس لابد ان يكون مؤدي قوي قبل ان يعرف المعلومة ، جودة المعلم كاداة توصيل اهم من المعلومة نفسها ، فكل منا يكره ماده بعينها لكراهيتة من درسها له ، لذلك دوما ما اسعى الا اكون الكريه في رواية احدهم ، ولكن ذلك في التعليم فقط ، و ان كنت كريها في اعين الكثير فيه لمجالات ارغب في ان تكتشفوها بنفسكم و ليس بروايتي ، فكلماتي حتى و ان كانت صادقة لن تقنع الكثيرين ولا حتى انشد في اقناع احد ، فلن تزيدني شيئا لا انا ولا الاخرين ، و سيبقى الوضع على ما هو علية
هل يمكن ان يكون ضيعت العمر حالما بمكانات اعلى و ماديات اكثر ، لا اظن ذلك ايضا ، ولا ادعي ذلك على سبيل المثالية ، و لكني لا احب السلطة الكبيرة ولا المال الكثير ، اكره ان اكون محط انظار ، احب الظل ، احب كل ما هو مظلم او داكن ، ففيه سكون دوما انشده و اصبو اليه ، ولا انكر انني دائم السعي لماديات افضل فهي وسيله اساسية للعيش ، حتى الايام التي قضيتها في كنف التصوف اكتشفت فيها ان الكثيرون منهم يبرعون في تمثيل الزهد و من خلفة جشاعة قد تفوق جشاعة حبساء ذي القرنين في الاستحواذ على الاخضر و اليابس و لو طالوا الاستحواذ على الفراغ لضموه لحيازاتهم فقد يصير ذي قيمه بعد ذلك
اشياء كثيرة اخرى قد اعددها متسائلاً عما ضيعت عليه العمر يابويا ولكنكم سمعتم الان بعض الحكايات ، اتسائل في ماذا كان يفكر صلاح ابو سالم عندما سطر تلك الكلمات ، و اتسائل هل انا وحدي من مسته تلك الكلمات بهذه الكيفية، ام ان هناك اخرين الهبتهم تلك الجمله ، بدليل انها عاشت تلك السنين التي تجاوزت الخمسون او الستون لا ادري صراحة ولازالت تدق اذاننا و تدك ارواحنا بداخلنا
و اتسائل اخيرا هل الاجيال التي بعدنا ستعيد سماعها و التاثر بها ام اننا جيل اخر الزمان ….